جعفر آل ياسين
24
الفارابي في حدوده ورسومه
هي المعرّفة له أيضا لما احتاج إلى اضافته إليها ، لأنّه ليس فيها إلّا ما فيه ، فكان يلزم الاكتفاء به عن اضافته إليها . . . فقد تقول : مررت بزيد نفسه ، وهذا نفس الحقّ ؛ يعني أنّه هو الحقّ لا غيره . قيل : ليس الثاني هو ما أضيف إليه من المظهر ؛ وإنّما النفس هنا بمعنى خالص الشيء وحقيقته . والعرب تحلّ ( نفس الشيء ) من ( الشيء ) محل البعض من الكل ، وما الثاني منه ليس بالأوّل ، ولهذا حكوا عن أنفسهم ومراجعتهم إياها وخطابها لهم كقول شاعرهم : أقول للنفس تأساء وتعزية * إحدى يديّ أصابتني ولم ترد » « 21 » . حقّا إنّ ابن جنّي في حديثه هذا ؛ وضع أنامله على أصول في غاية الأهمية ، تقرّبه إلى الجانب الفلسفي ، بقدر ما تبعده عن الناحية الشكلية في المفهوم . . ويتميّز موقفه أيضا بتنظير لغوي متين وبليغ ، خاصّة في تأكيده بأنّ دلالة المعنى لاحقة بعلوم الاستدلال ، وليست في حيّز الضروريات ، لأنّ « دلالة المثال على الفاعل من جهة معناه لا من جهة لفظه » « 22 » * * * في هذه المرحلة من خطوات الطريق ، لا بدّ لنا من العودة إلى استقصاء البواكير الأولى في محاولتهم تحديد وتعريف اللفظ الفلسفي وصياغة مضامينه وتنظير معانيه . فمن الطلائع والرّواد في هذا المضمار جابر بن حيان ( ت 200 ه ) العالم والفيلسوف والمتصوّف - حيث أشار في مأثور رسائله العلمية إلى أنّ الغرض من الحدّ هو « الإحاطة بجوهر المحدود على الحقيقة حتى لا يخرج منه ما هو فيه ، ولا يدخل فيه ما ليس منه . ولذلك صار لا يحتمل زيادة ولا نقصانا ؛ إذ كان مأخوذا من الجنس والفصول المحدثة للنوع التي تساعد على
--> ( 21 ) انظر : ابن جنّي - المصدر السابق ، 3 / 24 . ( 22 ) انظر : ابن جنّي - المصدر السابق ، 3 / 98 - 99 .